مرتضى الزبيدي
5
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
كنت أقول بخلق القرآن ، وأن اللّه لا يرى في الدار الآخرة بالأبصار ، وأن العباد يخلقون أفعالهم ، وها أنا تائب من الاعتزال معتقد الرد على المعتزلة ، ثم شرع في الرد عليهم والتصنيف على خلافهم ، ودخل بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي أحد أئمة الحديث والفقه ، وعن أبي خليفة الجمحي ، وسهل بن سرح ، ومحمد بن يعقوب المقري ، وعبد الرحمن بن خلف الضبي البصريين وروى عنهم كثيرا في تفسيره ، وصنف بعد رجوعه من اعتزاله الموجز وهو في ثلاث مجلدات كتاب مفيد في الرد على الجهمية والمعتزلة ، ومقالات الاسلاميين ، وكتاب الإبانة . وقال الخطيب : هو بصري سكن بغداد إلى أن توفي ، وكان يجلس في أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور ، وممن أخذ عنه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد ابن يعقوب بن مجاهد الطائي ، وأبو الحسن الباهلي ، وبندار بن الحسن الصوفي ، وأبو الحسن علي ابن محمد بن مهدي الطبري وهؤلاء الأربعة أخص أصحابه ، فابن مجاهد هو شيخ أبي بكر الباقلاني وهو مالكي كما صرح به عياض في المدارك ، والباهلي شيخ الأستاذين أبي إسحاق الأسفرايني وأبي بكر بن فورك وشيخ الباقلاني أيضا إلّا أنه أخص بابن مجاهد ، والأستاذان أخص بالباهلي ، ومن الآخذين عن الأشعري الأستاذ أبو سهل الصعلوكي ، وأبو بكر القفال ، وأبو زيد المروزي ، وأبو عبد اللّه بن خفيف الشيرازي ، وزاهر بن أحمد السرخسي ، والحافظ أبو بكر الجرجاني الإسماعيلي ، والشيخ أبو بكر الأودفي ، والشيخ أبو محمد الطبري العراقي ، وأبو جعفر السلمي النقاش وغيرهم ، هؤلاء أصحابه . وأما الذين جالسوا أصحابه وأصحاب أصحابه وهلم جرّا ؛ فهم كثيرون على طبقاتهم ، وأما اجتهاد الشيخ في العبادة والتأله ، فأمر غريب ذكر بندار خادمه أنه مكث عشرين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء ، وكان يأكل من غلة قرية وقفها جده بلال بن أبي بردة على نسله . قال ؛ وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهما كل شهر درهم وشيء يسير . قال ابن كثير ، قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني : كنت في جنب أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر ، وسمعته يقول : كنت أنا في جنب أبي الحسن الأشعري كقطرة في البحر . وقال القاضي الباقلاني : أحسن أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن الأشعري . وقال ابن السبكي : ومن أراد معرفة قدر الأشعري وأن يمتلئ قلبه من حبه فعليه بكتاب تبيين المفتري للحافظ أبي القاسم بن عساكر ، وهو من أجلّ الكتب وأعظمها فائدة وأحسنها ، ويقال : لا يكون الفقيه شافعيا على الحقيقة حتى يحصل هذا الكتاب ، وكان مشيختنا يأمرون الطلبة بالنظر فيه . قال : وقد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكي المذهب وليس ذلك بصحيح إنما كان شافعيا تفقه على أبي إسحاق المروزي . نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في طبقات المتكلمين ، والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني فيما نقله الشيخ أبو محمد الجويني في شرح الرسالة ، والمالكي هو القاضي أبو بكر الباقلاني شيخ الأشاعرة اه . قلت : والذي قال أنه مالكي المذهب جماعة . منهم : القاضي عياض فذكره في طبقاتهم في كتابه المدارك واعتمد عليه وتبعه على ذلك غير واحد ، ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن موسى بن عماد الكلاعي اليورقي ، وهو من أئمة المالكية فإنه صرح في ترجمة الشيخ بأنه كان مالكي المذهب